مُسيّرات الجيش اليمني تكسر احتكار الحوثيين للسماء والصورة وتقلب ميزان المعنويات

22 اغسطس 2026

| بواسطة ديفانس لاين: خاص

شهدت الحرب في اليمن تحولاً جديداً مع إعلان الجيش اليمني امتلاكه سلاح الطيران المسيّر، ورفع وزارة الدفاع القيود المفروضة على عمليات منظومة الطائرات غير المأهولة المُستخدمة ضد جماعة الحوثي المدعومة من إيران. 

الجيش اليمني بثّ خلال الأيام الماضية عشرات المقاطع المصورة التي توثق استهداف طائراته المسيّرة مواقع وتجمعات وآليات تابعة لجماعة الحوثي على امتداد جبهات القتال، في خطوة نقلت هذه القُدرات إلى واجهة المشهد، وكشفت جانبا من حضورها العملياتي وتنوع المهام التي تنفذها، وأثارت تفاعلا واسعا في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بالتوازي مع حالة ارتباك أصابت المنظومة الدعائية الحوثية.

 

يقول مسؤولون عسكريون تحدّثوا لمنصة "ديفانس لاين" إن الجيش اليمني يمتلك قدرات جوية أكبر بكثير من منظومة الطائرات المسيّرة التي أُعلن عنها، وإن لديه منظومة متنوعة بمديات وقدرات أكثر فاعلية، مشيرين إلى أن قيادة وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان نجحتا خلال السنوات الماضية في تأهيل كوادر هندسية وتدريب أكثر من ثلاثة ألوية طيران مسيّر، وكان الجيش قد كشف جانباً من هذه القدرات خلال استعراضات عسكرية شهدتها محافظة مأرب.

وتُفيد مصادر دفاعية بأن القوات اليمنية أدخلت سلاح الطائرات المسيّرة في مواجهتها مع الحوثيين منذ سنوات، وأن المشاهد التي سُمح بنشرها، وبعضها أرشيفي، تقتصر على طرازات محدودة وعمليات صغيرة نفذتها طائرات عمودية ذات نظام هجين للإقلاع والهبوط (VTOL)، إلى جانب درونات الرؤية المباشرة (FPV). 

 

السماح بنشر هذه العمليات يعكس انتقال الطيران المُسيّر من قدرة تعمل بعيداً عن الأضواء إلى سلاح حاضر في المعركة العسكرية والحرب النفسية، ويكشف عن خبرة بشرية وهندسية وقدرة تشغيلية راكمها الجيش خلال السنوات الماضية.

 

الإرباك الحوثي

 

بعيداً عن الأداء الإعلامي الركيك للحكومة اليمنية، وارتهان خطابها خلال السنوات الماضية للخصومات السياسية الداخلية والاستقطابات الإقليمية التي حوّلت الجيش النظامي المُقاتل إلى ورقة للصراع ومفردة للتجاذب وأضعفت كفاءته قتالياً وإعلامياً، أظهر الإعلام العسكري للجيش والتشكيلات الأخرى تفوقاً واضحاً أمام ماكينات الإعلام الحربي والدعائي التابعة لجماعة الحوثي وجماعات "المحور الإيراني".

 

سرعة انتشار مشاهد الجيش وحجم التفاعل معها كشفت عن تحول في معركة الصورة، بعدما فرض الإعلام العسكري توقيته وروايته ووضع الجماعة أمام ضغط إعلامي ونفسي جاء متزامناً مع ظهور قدرة عسكرية يمنية مؤثرة.

وأغرقت المشاهد، بتوقيتها وتنوعها وكثافتها البصرية، منصات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وتداولتها وكالات ووسائل إعلام عالمية بارزة، بينما بدت المنظومة الدعائية الحوثية مُرتبكة في التعامل مع المواد التي وثقت بعض عمليات الطيران المسيّر وتأثيراتها الميدانية.

 

في محاولة لتفادي الضربة "القاسية" التي وجّهتها القوات المسلحة للجماعة، تحدّث قادة الحوثيين عن امتلاك الجماعة أرشيفاً من الصور لعمليات طيرانها المسيّر، وزعموا أن الدرونات المستخدمة لدى الجيش لم تعد ذات قيمة عملياتية بعد امتلاك الحوثيين قدرات متطورة في سلاح الجو المسيّر، فيما ذهب عناصر الجماعة وواجهاتها الإعلامية إلى التشكيك في المشاهد والقول إنها "مُفبركة ومصنوعة بالذكاء الاصطناعي"، وزعم آخرون أنها منسوخة من دول أخرى.

 

استهدف هذا الخطاب كبح التداول الواسع للمقاطع واحتواء تأثيراتها في معنويات مقاتلي الجماعة وقدرتها على الحشد والتجنيد، خصوصاً بعدما وضعت المشاهد الحوثيين في موقع ملاحقة الحدث ومحاولة إنتاج رواية مُضادة له.

ومع اتساع وصول الحرب النفسية إلى صفوف الجماعة والمواطنين في مناطق سيطرتها، أقام الحوثيون مراسم جنائزية لبعض عناصرهم ومقاتليهم، واستخدموا المواكب والاستعراضات في التعبئة والتحريض، ثم نشروا بصورة متأخرة مقاطع حربية قالوا إنها توثق استهداف تجمعات ومعدات تابعة لمن وصفوه بـ"العدو السعودي" في مأرب والساحل الغربي.

طيران مسير في استعراض للحيش اليمني بمأرب

الخطاب الحوثي والحرب المحلية

 

ميدانياً، تبقى نقطة ضعف الحوثيين في المواجهة الداخلية، ولهذا يتجنبون تقديم تصعيدهم باعتباره حرباً ضد اليمنيين، ويُسوّقون هجماتهم الأخيرة بوصفها استهدافاً للسعودية ضمن ما يسمونه "الحصار مقابل الحصار".

 

يرتكز الخطاب الإعلامي للجماعة على عناوين التصعيد الإقليمي هروباً من التفاعلات المحلية والاحتقان الشعبي المتصاعد، وبحثاً عن دور عابر للحدود يعزز موقفها التفاوضي ويستجيب لتكتيكات داعمتها إيران، وبحسب المعلومات، أصدرت قيادة الحوثيين وهيئتهم الإعلامية تعميماً داخلياً يوجه العناصر التابعين لهم إلى تجنب الحديث عن الحرب الداخلية، وتقديم لهجة تصالحية تجاه الأطراف اليمنية، ومنع تداول مصطلحي "المرتزقة" و"العملاء" اللذين اعتادت الجماعة إطلاقهما على القوى المناوئة لها.

تصف بيانات الجماعة وتصريحات قادتها سلسلة الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي طالت مأرب وحضرموت شرقاً وتعز والحديدة غرباً بأنها عمليات استهدفت "تحشيدات سعودية"، بينما فندت صور تدمير ميناء ومرافئ المخاء واستهداف سفينة تجارية مملوكة لرجل أعمال يمني كانت ترسو للصيانة في باب المندب هذه الرواية، إلى جانب صور ضحايا الصواريخ في تعز والحديدة ومخيمات النازحين والمدنيين في مأرب، وهي أهداف تكشف طبيعتها المسافة بين الخطاب الإقليمي الذي تروّجه الجماعة والعمليات التي تنفذها ضد الأهداف اليمنية في الداخل.

 

وقد ركّز الخطاب اليمني الرسمي على تجريد الحوثيين من ورقة "الفعل الإقليمي"، وتقديم الصراع على واقعه، باعتباره مواجهة يمنية مع جماعة مسلحة تخوض حرباً داخلية ضد اليمنيين.

أما السعودية، فاتخذت خطاباً إعلامياً دفاعياً في مواجهة الهجمات الحوثية التي طالت مطارات ومنشآت نفطية جنوبي المملكة، وركزت إعلامياً على التصعيد داخل اليمن بوصفه مواجهة يمنية حوثية، وعلى وقوف الرياض إلى جانب الحكومة اليمنية لاستعادة أمن البلاد وحماية سيادتها الوطنية.

 

تزامن الارتباك الحوثي مع ما يمكن وصفه بـ خسارة الجماعة الإسناد الإعلامي الإيراني الذي كان مركزه لدى حزب الله في جنوب لبنان، تحت إشراف "اتحاد الإذاعات والتلفزيونات" الإيرانية.

وإلى جانب أن إعلام الجماعة لم يواجه سابقاً اختباراً قاسياً ومفاجئاً بحجم مشاهد الطيران المسيّر، يبدو واضحاً أن الإعلام الحربي للحوثيين وجماعات المحور كان يُدار ضمن منظومة مركزية، وأن إعلام الجماعة ارتبط بصورة مباشرة بمراكز الإنتاج والنشر في لبنان، فيما تعمل إدارة الإعلام الحربي الحوثي كجهاز مستقل عن بقية واجهات الجماعة التنظيمية والعامة.

يمكن للمتابع لإعلام الحوثيين الحربي وبياناتهم خلال سنوات الحرب، ملاحظة الصبغة الإيرانية التي تظهر بوضوح، سواء في اللغة المستخدمة أو زخرفة الخطوط أو الهوية البصرية المستمدة من جماعات المحور.

 

التحول في قدرات سلاح الجو اليمني وكفاءة إدارته على المستوى الإعلامي، أصاب المنظومة العسكرية والإعلامية الحوثية بارتباك واضح، ووضع قدرة الجماعة على الحشد والتجنيد تحت ضغط متصاعد، بعد وصول تأثير العمليات المصورة إلى مقاتليها والمواطنين في مناطق سيطرتها. 

وقد أعاد الكشف عن هذه القدرات بناء الثقة الشعبية بالقوات المسلحة، وقدّم للشارع اليمني صورة جيش يطور أدواته ويستعيد زمام المبادرة ويفرض حضوره في الميدان والسماء ومعركة الصورة، فاتحا مرحلة جديدة تتراجع فيها قدرة الحوثيين على احتكار القوة والخوف والدعاية.