في أعقاب القرار الصادر عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي، يوم الثلاثاء، والقاضي بمغادرة القوات الإماراتية الأراضي اليمنية خلال مهلة لا تتجاوز 24 ساعة، دخل المشهد اليمني مرحلة من الترقب نحو شبكة واسعة من القواعد والمنشآت والموانئ والجزر التي ارتبط اسمها، خلال السنوات الماضية، بالتواجد العسكري الإماراتي المباشر، ما قد يفتح الباب أمام عودة مجموعة من أهم المنشآت والمواقع والتي مثلت خلال سنوات مضت اختباراً عملياً لقدرة الدولة اليمنية على فرض سيادتها واستعادة السيطرة الفعلية على مرافق حيوية ظلّت خارج إدارتها.
واستثمرت أبو ظبي أموالا هائلة في بناء قواعد عسكرية بمرافق ضخمة ومحصنة، واختارت لها أبرز المواقع الاستراتيجية، ونقلت إليها معدات وأجهزة عسكرية وتقنية متطورة.
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن حجم التواجد الإماراتي أو النفوذ المرتبط به شمل عدد من المواقع الاستراتيجية، توزعت بين موانئ ومطارات وقواعد برية وجزر، امتدت جغرافياً من باب المندب غرباً حتى المهرة شرقاً، على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، وصولاً إلى أرخبيل سقطرى في المحيط الهندي.
وشكّلت الموانئ اليمنية محوراً أساسياً في هذا النفوذ سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لأغراض عسكرية أو لوجستية أو اقتصادية، من بينها ميناء عدن بمرافئه المختلفة، بما فيها ميناء الحاويات وميناء الزيت وبئر أحمد بالبريقة، إضافة إلى ميناء المخاء في تعز، وميناء بلحاف وبير علي في شبوة، وميناء المكلا والضبة النفطي والشحر في حضرموت، وميناء نشطون في المهرة، وهي موانئ لم تقتصر أهميتها على البعد التجاري، بل تحولت عملياً إلى عقد أمنية ولوجستية مؤثرة في حركة الاستيراد والتصدير، وفي القرار الاقتصادي والسيادي للدولة.
وينسحب الأمر ذاته على المطارات، التي ظل عدد منها خاضعاً لسيطرة أو نفوذ إماراتي مباشر، رغم إعادة تشغيل بعضها جزئياً للطيران المدني، وأهمها بالطبع مطار الريّان في المكلا، إلى جانب مطار الغيضة في المهرة، ومطار عتق في شبوة، ومطار المخا في تعز، حيث ظل الاستخدام العسكري قائماً بصورة أو بأخرى، حتى مع فتح بعض هذه المطارات أمام الرحلات المدنية المحدودة.
أما الجزر اليمنية، فقد شكّلت قلب الاستراتيجية الإماراتية في المنطقة، نظراً لموقعها الحاكم للممرات البحرية الدولية، ففي أرخبيل سقطرى، تمتلك الإمارات نفوذاً شبه كامل، شمل إدارة المطار والميناء والبنية الأمنية، وبناء قواعد عسكرية ونظم اتصالات متطورة، ما جعل الأرخبيل عملياً خارج السيطرة الحكومية المباشرة.
وتبرز جزيرة عبد الكوري، كأحد أهم مواقع هذا النفوذ، حيث شهدت خلال السنوات الأخيرة نشاطاً عمرانياً عسكرياً مكثفاً، شمل إنشاء مدرج طيران رئيسي بطول يقارب 2400 متر، ومدرج فرعي بطول يتجاوز 1300 متر، إضافة إلى بناء لسان بحري لاستقبال السفن العسكرية الكبيرة، وتحويل أجزاء واسعة من الجزيرة إلى منطقة عسكرية مغلقة تُدار مباشرة من ضباط إماراتيين، مع منع الصيادين المحليين من الاقتراب من بعض مناطقها.
كما كانت القوات الإماراتية تسيطر على الميناء والمرافئ بالجزيرة.
وفي جزيرة ميون (بريم)، الواقعة في قلب مضيق باب المندب، أنشأت الإمارات قاعدة عسكرية جوية متكاملة تضم مدرجاً للطيران ومساكن للقوات، وتعمل بصورة مستقلة تماماً عن السلطات المحلية في محافظة تعز، في إطار هدف واضح يتمثل في التحكم المباشر بحركة الملاحة في أحد أهم الممرات المائية العالمية، كما كشفت صور أقمار صناعية حديثة عن شروع القوات الإماراتية في إنشاء مدرج طيران جديد في جزيرة زُقر، جنوب البحر الأحمر، في خطوة تعزز شبكة المراقبة والانتشار العسكري في هذا الممر الحيوي.
وعلى ضفاف البحر الأحمر قرب باب المندب قبالة بريم أنشأت الإمارات مطاراً عسكريا في منطقة ذوباب، وهو رابع مطار قرب المضيق الحيوي للتجارة الدولية وخطوط النقل.
وقد تم إستحداث مدرج مطار جديد يجري تطويره، يرجح أنه مطار عسكري، في منطقة بني الحكم، وتم تعريف المنشأة على جوجل بـ"مطار المخاء الدولي الجديد".
يبلغ طول المدرج 3.400متر في أرض واسعة تم تسويرها بمساحة تزيد عن 230 كم2 تقع في منطقة مطلة على البحر الأحمر، جنوبي موقع معسكر العمري، تبعد 5 كيلو ونصف إلى الجنوب من مطار المخاء، وتبعد كيلو ونصف عن جزيرة ميون في باب المندب.
وفي مدينة المخاء على ضفاف البحر الأحمر غربي محافظة تعز، تم إعادة تأهيل ميناء المخاء، وهو أحد أقدم وأهم المرافئ اليمنية، وأعلن عن إعادة افتتاحه في يوليو 2021م، وجرى إعادة تطوير مرافقه وتأهيل بنيته، واستأنف الميناء تسيير سفن التصدير بعد عام من افتتاحه. وفي أبريل الماضي استقبل الميناء أول سفينة تجارية كبيرة للمرة الأولى منذ نحو عقد ونصف. منطقة المخاء تخضع لسيطرة "قوات المقاومة الوطنية" التي يقودها العميد طارق صالح، نجيل شقيق الرئيس الأسبق، وهي مدعومة من الإمارات، وتستفيد من الميناء لتوريد الدعم اللوجستي والعسكري وجني العوائد عن الواردات والصادرات التجارية.
ومثله، مطار المخا، الذي بدأ تأسيسه نهاية العام 2021 وتم تطويره بتمويل إماراتي كمطار عسكري ومطار دولي مدني بمدرج واسع وبرج على مساحة ثلاثة آلاف متر قادر لاستقبال طائرات كبيرة. استقبل المطار أول رحلة مدنية سيرتها الأمم المتحدة نهاية 2022، وأعلنت الحكومة في أبريل الماضي افتتاحه رسميا أمام الرحلات المدنية بعد استكمال جاهزيته الفنية والإدارية.
منشأة بلحاف وموانئ شبوة..
في الداخل، تظل منشأة بلحاف الغازية في محافظة شبوة، على سواحل البحر العربي شرقي اليمن، أبرز وأهم المواقع البرية التي تمسكت بها الإمارات بشكل مباشر، والمنشأة، التي تُعد الشريان الرئيسي لتصدير الغاز الطبيعي المسال في اليمن، استخدمت لسنوات كقاعدة عسكرية وغرفة عمليات ومركز لوجستي وتدريبي لإدارة التحركات في شبوة وحضرموت، مع استمرار تعطيل تصدير الغاز رغم المطالبات الحكومية المتكررة بإعادة تشغيلها.
وتشير معلومات أن القوات الإماراتية استخدمت قاعدتها في بلحاف ومدرج الطيران فيها لإدارة وتنسيق عمليات الطائرات بدون طيّار، تحت لافتة "محاربة الإرهاب".
مصادر ميدانية أفادت بأن القوات الإماراتية المتواجدة داخل بلحاف تلقت، مساء الثلاثاء، أوامر مباشرة بإخلاء الضباط والأفراد من منشأة بلحاف، في مؤشر عملي على بدء تنفيذ قرار الانسحاب، وذلك بالتزامن مع بدء القوات الإماراتية في قاعدة مرة الاستراتيجية غرب مدينة عتق بتفكيك شبكات الاتصالات ومنظومات المراقبة، وسط حالة استنفار واسعة في صفوف عناصرها.
وفي جبل مرة بنت الإمارات أهم قواعدها العسكرية، وطورت بنية عسكرية كبيرة، تضم مرافق محصنة تحت الأرض ومراكز سيطرة وأنظمة اتصالات وتوجيه متقدمة ومنصات رادار وطيران مسير. وفيها غرفة عمليات رئيسية إلى جانب غرفة في بلحاف، ومنها يتم إدارة القوات التابعة لأبو ظبي في شبوة، وهي محافظة حيوية بمساحة جغرافية واسعة تكتنز النفط والثروات، وفيها عدة موانئ ومرافئ على البحر العربي، أبرزها ميناء بلحاف وميناء قناء.
وتظهر صور الأقمار الصناعية تحصينات ومرافق كبيرة داخل جبال مرة التي تم تسويرها ومنع الاقتراب منها.
ووفقا لمصادر "ديفانس لاين" أن مجمع مرة يضم مقر قيادة "قوات دفاع شبوة" التابعة للإمارات، وأحد المعسكرات التي كلفتها الإمارات بمهام أمنية، ومجمع خدمي ومرافق لوجستية. وفيها يتم تدريب بعض القوات التابعة للإمارات.
وفي مدينة عتق، عاصمة المحافظة، أشارت المصادر إلى أن القيادة الإماراتية المتواجدة في مطار عتق الدولي، عقدت اجتماعاً مع قيادات "قوات دفاع شبوة" و قوات "ألوية العمالقة الجنوبية" التابعة للانتقالي، أبلغتهم خلاله بقرار الانسحاب من المطار وفق مصادر محلية، قبل أن تبدأ القوات المتواجدة في المطار بالتحرك باتجاه بلحاف، في إطار إعادة تموضع تمهيدية للإخلاء.
وتسيطر القوات الإماراتية على مطار عتق منذ عام 2016، وطورت داخل المطار مقار قيادة وعمليات عسكرية.
ويعد مطار عتق، الذي استأنف نشاطه قبل أشهر بتسيير رحلات مدنية، يعد مطار مدني وعسكري في نفس الوقت.
وتظهر صور الأقمار الصناعية إلى استحداث بعض الانشاءات داخل حرم المطار، وبناء مخابئ وحظائر للطيران الكبير والدرون.
مطار الريّان.. قاعدة إماراتية رئيسية..
تداول نشطاء، الأربعاء، صورا لطائرة أقلعت من مطار الريان بمدينة المكلا بمحافظة حضرموت على ساحل البحر العربي شرقي اليمن.
في وقت نقلت قناة اليمن الرسمية عن اقلاع 4 طائرات شحن عسكرية إماراتية من مطار المكلا وعلى متنها المئات من الجنود والمعدات الثقيلة والمنظومات التقنية. مضيفة أن الخطوة تهدف إلى إعادة تنظيم الانتشار العسكري وضمان إدارة المرافق الحيوية تحت مظلة التحالف الداعم للشرعية.
وتسيطر القوات الإماراتية على مطار الريّان المطل على البحر العربي منذ عام 2016، واستخدمته كقاعدة عسكرية ومركز استخباراتي وغرفة عمليات إقليمية لإدارة ملف "مكافحة الإرهاب" وظل مغلقا لسنوات، قبل أن يتم تشغيله لرحلات محدودة أسبوعياً، بعد مظاهرات واحتجاجات واسعة.
ومثله ميناء الريان، وميناء الضبة ومرافئ أخرى في الساحل الحضرمي، وأنشأت في بعضها وفي مواقع أخرى معسكرات ومفرزات لقواتها.
معلومات "ديفانس لاين" تُشير إلى أن القوات الاماراتية التي كانت تتمركز داخل مطار الريّان كانت تُشرف على القوات المدعومة من أبو ظبي التي تم تشكيلها منذ عام 2016 خارج سيطرة الحكومة اليمنية تنتشر في مناطق ساحل حضرموت، وفي الهضبة الحضرمية وبعضها في معسكرات بصحراء ووادي حضرموت.
ويتركز انتشار القوات المدعومة من الإمارات في المناطق الساحلية المطلة على بحر العرب، حيث المنشآت الحيوية والمطارات والموانئ.
ووفقا لمعلومات ومصادر "ديفاتس لاين" فأن تلك القوات تخضع لهيكل عملياتي يسمى قوة القيادة والسيطرة ومقرها مطار الريان، بقيادة العميد الركن فيصل أحمد بادبيس.
وقد أُنشئ هذا الكيان من قبل الإمارات كقيادة موازية لقيادة المنطقة الثانية رغم الإعلان الشكلي عن تبعيته لها. وإلى جانبه يعمل مركز العمليات المشتركة بقيادة العميد الركن صالح باشميل لتنظيم التنسيق بين القوات في الساحل. وتم تقسيم نطاق العمليات إلى عدة محاور أبرزها محور الريان بقيادة أيمن باحارث.
تضم القوات المدعومة إماراتياً المُنتشرة في حضرموت نحو 13 لواءً ووحدة عسكرية إضافة إلى المكون البحري بقيادة العقيد محمد العمودي.
ويبرز لواء بارشيد باعتباره أحد أقوى ألوية النخبة. يقوده منذ تأسيسه عام 2016 العميد الركن عبدالدائم الشعيبي (من الضالع)، ويتكون معظم منتسبيه من الضالع. يحظى الشعيبي بدعم رئيس المجلس الانتقالي، وترفع قواته علم الجنوب وتعمل تحت شعاراته. يتمركز اللواء في منطقة الغبر، بينما تنتشر وحداته في مديرية بروم ميفع الساحلية، متولياً مهام تأمين الخط الدولي المكلا – عدن، ومع اجتياح الانتقالي وادي حضرموت مطلع ديسمبر الماضي تم الدفع بلواء بارشيد للانتشار في مديريات القطن وشبام وما جاورها.
معسكر جثمه بسيئون..
في مدينة سيئون، أنشأت الإمارات معسكرا استراتيجيا شديد التحصين منذ عام 2020، يطل على المدينة جنوبا ويتحكم ببعض المداخل الرئيسية الثلاثة للمدينة، ونقلت إليه معدات متطورة وأجهزة استطلاع، وأنظمة توجيه الطيران المسير.
وتشير صور الأقمار الاصطناعية التي وثقها جوجل واطّلع عليها فريق "ديفانس لاين" إلى أن عمليات الانشاء والتطوير في المعسكر تسارعت منذ مطلع العام 2023، وتشير مصادر إلى أن المعسكر يحوي بنية عسكرية كبيرة، ويضم مخابئ ومقار ومرافق تحت الأرض. فيما تم إنشاء مهبط للطيران العمودي في المعسكر منذ عام 2024.
هذا المعسكر، لعب دورا حاسما في تسهيل اجتياح قوات المجلس الانتقالي المدعومة إماراتيا) لمدينة سيئون الشهر الماضي، وتولت قوات إماراتية في المعسكر عملية التمشيط المدفعي والاستطلاع الجوي.
تطرح هذه التطورات المتسارعة تساؤلات عميقة حول طبيعة الانسحاب المرتقب وحدوده الفعلية، وهل نحن أمام إنهاء كامل للتواجد العسكري الإماراتي في اليمن، أم أمام إعادة تموضع تُبقي على النفوذ عبر قوى محلية مدعومة، وتترك المرافق السيادية عملياً خارج السيطرة الحكومية المباشرة؟
الإجابة لا تبدو رهناً بالبيانات الرسمية وحدها، بل بما ستؤول إليه السيطرة الفعلية على الموانئ والمطارات والجزر والمنشآت النفطية، وبمدى قدرة الدولة اليمنية على استعادة إدارتها الكاملة لهذه المواقع.