اخر تحديث 19/8/2026 من نحن

"الابن المُدلّل" الذي ورث جماعة مسلحة ويحكمها من خلف الشاشات.. من هو عبدالملك الحوثي؟

| نشأ مشحونا بنزعة الثأر وغريزة الاستبداد، لم يلتحق بالتعليم النظامي ولم يتعرف على حياة المدن ويقضي سنواته مُختبئا في الكهوف..

منذ أكثر من عشرين عاماً، يقف عبدالملك بدر الدين الحوثي، على رأس جماعة تحوّلت من تنظيم مُتمرّد ومُحاصر في جبال صعدة إلى سلطة مسلحة تُسيطر على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة في مناطق واسعة من اليمن، ورغم اتساع نفوذه واحتفاظه بالقرار الأول في الجماعة، لا يزال الرجل شخصه مُحاطاً بالغموض؛ قليل الظهور، بعيداً عن المدن والتجمعات العامة، يتحدث إلى أنصاره من خلف الشاشات ويُدير لقاءاته عبر الاتصال المرئي، بينما تتحرك تحت سلطته شبكة معقدة من المكاتب والمُشرفين والقيادات العسكرية والأمنية.

 

ولد عبدالملك الحوثي عام 82، وهو الابن التاسع بين الذكور لبدر الدين أمير الدين الحوثي. وُصف داخل محيطه العائلي بالابن "المُدلّل"، ونشأ تحت نظر والده الذي أولاه عناية خاصة وتولى تعليمه القراءة والكتابة والعلوم الدينية في المحاضن المذهبية المغلقة.

لم يلتحق بالتعليم النظامي اليمني، ولم يعرف في سنوات تكوينه الأولي المؤسسات التعليمية الطبيعية؛ فقد تشكّل وعيه في بيئة أسرية انشغلت بإحياء الفكرة المذهبية، وإنشاء مراكز تعليمية خاصة، وتعبئة جيل جديد بفكرة "الولاية" وحصر الإمامة في سلالة بعينها، قبل أن تنتقل العائلة من النشاط الفكري والتنظيمي إلى المواجهة المسلحة مع الدولة. جولات الصراع التي عايشها منذ صغره والتغذية الفكرية التي تربى عليها جعلته مشحونا بنزعة الثأر وغريزة الاستبداد.

عبدالملك الحوثي مع والده في صعدة (صورة قديمة)

تولى حسين شقيق عبدالملك الأكبر قيادة الحركة، وصاغ خطابها التعبوي، ودفع بها إلى التمرد المسلح في يونيو 2004، قبل أن يُقتل في الجولة الأولى من الحرب، بينما كان عبدالملك شخصاً عادياً فيها.

بعد انتهاء الحرب الأولى، انتقلت العائلة ومن بقي من عناصر التنظيم إلى منطقة "مطرة" الجبلية بمديرية مجز، حيث أعادت ترتيب صفوفها والاستعداد لجولات جديدة من القتال، وهناك برز عبدالملك إلى جانب والده، وفي أواخر 2005 اختاره بدر الدين لوراثة قيادة الحركة، متجاوزاً إخوة أكبر سناً وشخصيات كانت ترى نفسها أحق بالموقع وأكثر خبرة منه.

أثار القرار امتعاضاً داخل العائلة والتنظيم، لكنه حُسم بإرادة الأب، ليبدأ صعود شاب لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره إلى قمة حركة مسلحة ستتوسع لاحقاً خارج صعدة وتفرض سلطتها على مؤسسات الدولة اليمنية.

 

احتكار القرار والسيادة

أعاد عبدالملك تشكيل الجماعة بحيث تتمحور بُنيتها كاملة حول موقعه، يحتفظ لنفسه بالسلطات التنفيذية والعسكرية والأمنية والتنظيمية، وهو صاحب القرار الأول والقول الفصل في الملفات الكبرى. وتستند هذه السلطة إلى منهجية مذهبية تُقدمه بوصفه "السيد العَلَم" الذي تقتضي مكانته المبايعة والولاء والطاعة، وإلى هيكل تنظيمي يجعل المؤسسات المعلنة واجهات تنفيذية بينما يظل القرار الحقيقي بيد القائد ومكتبه.

أرسى قواعد سلطته اعتمادا على شبكة من الأقارب والأصهار ومن يثق في ولائهم وصدقهم، وجيل صاعد من أبناء العوائل "الهاشمية"، أسند لهم المهام والمواقع ليضمن ديمومة السلطة تحت ظله وتصرفه. دفع بالمقربين منه إلى ملفات شديدة الحساسية، وأبقى بعضهم بعيداً عن الواجهة، بينما وزّع آخرين داخل دوائر القيادة العسكرية والأمنية والتنظيمية، كما امتدت شبكة النفوذ إلى أبناء الإخوة والأصهار وأبناء الشقيقات، في صيغة يصعب فيها الفصل بين القرابة العائلية والتكليف التنظيمي.

يتولى عبدالملك مسئولية "المجلس الجهادي"، أعلى سلطة عسكرية وأمنية في الجماعة، ويُدير تفاصيل التنظيم من خلال “مكتب السيد” و”المكتب الجهادي” وشبكة من المشرفين والممثلين الذين ينتشرون داخل الهيئات والوزارات والقطاعات والمحافظات، وهي صيغة تقترب في بُنيتها من نموذج المرشد الإيراني، حيث تتحرّك المؤسسات تحت سقف سلطة لا تخضع لرقابة فعلية ولا تسمح بوجود شريك في القرار.

 

الحالة الصحية وخيار القائد البديل..

لم يتعرّف عبدالملك، على حياة المدن المفتوحة، وأمضى سنواته مُتنقلاً بين الأرياف الجبلية والكهوف والمخابئ المحصنة تحت الأرض.

تُحيط به ترتيبات أمنية شديدة التعقيد، بينما تظل تحركاته ومواقع إقامته وتفاصيل دائرته الشخصية من أكثر أسرار الجماعة حساسية، وحتى كبار المسئولين الذين يظهرون باسم السلطة الحوثية لا يملكون بالضرورة اتصالاً مباشراً ومنتظماً به، إذ تمر التعليمات عبر مكاتب ووسطاء ومُمثلين يُشكلون طبقات عازلة بين القائد وبقية التنظيم.

 

مع اتساع سلطته ازداد اختفاء، وهو لا يختلط بالناس، ولا يعقد اجتماعات مفتوحة. كانت آخر إطلالة مباشرة معروفة له بين أنصاره في صعدة عام 2015. في بعض مشاركاته الجماهيرية ظهر يخطب بين أنصاره من وراء ستار زجاجي مضاد للرصاص. منذ ذلك الحين صار حضوره مقتصراً على خطابات مُسجلة أو منقولة عبر الشاشات.

أنصار الحوثي يعتلون صور زعيم الجماعة خلال فعالية بصنعاء

تقول معلومات “ديفانس لاين” إن عبدالملك يعاني أمراضاً مزمنة، ظهرت بعض أعراضها خلال الفترة الأخيرة في خطاباته المسجلة والمطولة، كما تفيد تقارير استخبارية بأنه تعرض لإصابة خلال هجمات جوية استهدفت معاونين له ومقربين من دائرته الشخصية في العام 2025.

وتكتسب هذه المعلومات أهمية إضافية داخل جماعة ربطت مؤسساتها وقرارها العسكري والأمني بشخص واحد، وأحاطت موقعه بدائرة ضيقة من الأقارب والموثوقين، بما يجعل أي تغير في حالته الصحية أو قدرته على إدارة الملفات مسألة تتجاوز حياته الشخصية إلى مستقبل بنية السلطة نفسها.

مُخبر مُقرّب من زعيم الحوثيين وهجمات أمريكية-إسرائيلية طالت أفرادا من الدائرة القريبة

بحسب مصادر خاصة، اكتشفت جماعة الحوثي في أواخر نوفمبر الماضي، وجود شخص مرتبط مباشرة بمكتب عبدالملك الحوثي ودائرته الخاصة، قام بتسريب معلومات شديدة الحساسية تتعلق بمقرات سرّية كان يتردد عليها… https://t.co/PUwuCSSLK6 pic.twitter.com/JrR3kSc9fv

— ديفانس لاين (@defenseliney) February 9, 2026

كانت قيادة الجماعة قد طرحت موضوع "القائد البديل" على طاولة النقاش مع اشتداد الهجمات الأمريكية والبريطانية، والإسرائيلية لاحقا، التي طالت قُدرات الجماعة، خصوصا بعد اغتيال إسرائيل زعيم حزب الله وكبار قادة الحزب، ومن بعدهم اغتيال المرشد الإيراني، إلا أن هذا الملف الحسّاس -على ما يبدو- أُزيح لاحقا من جداول النقاش.

 

 

هذه المادة هي جزء من تحقيق خاص أعدته منصة "ديفانس لاين" سوف يتم نشره في وقت لاحق. يتناول عائلة بدر الدين الحوثي، وجذور صعودها، وتركيبتها الداخلية، ومواقع أفرادها، والدوائر العائلية التي تُمسك بأهم مفاصل الجماعة. بما في ذلك خريطة دائرة عبدالملك وعائلته، وحجم التنافس داخلها، وتفاصيل عن شخصيات تعمل بجواره، والملفات التي أوكلها إليها، والرجال الذين يُشكّلون نطاق الحماية المُباشر لسلطته.

ضمن مشروع موسع يعمل عليه فريق المنصة يتناول الهيكلية التنظيمية والعسكرية والأمنية والفكرية لجماعة الحوثي، وقدراتها الحربية.


اطلع على المزيد